فى اليوم السادس من ذى الحجة اتجهنا إلى مكة المكرمة، وقد تورمت قدماى وقدما عبدالله أكثر من الآخرين، ولم نعد قادرين على لبس الأحذية. وقد ركبنا عدة عربات تجرها الخيول، وأقيمت فى الطريق بعض المنازل وبخاصة فى منطقتى "بهره" و"حَدَه"، وكان بالمنزل خزان للمياه، وقد بنيت به حجرتان صغيرتان وأمامها إيوان تحيط به مساحة خضراء، وكانت مساحته تقترب من ثلثى فرسخ عرضا وطولا، وما أن أقبل الصباح وعم الضياء حتى تحركت القافلة مواصلة المسيــر، ولكن لم تمض ساعة إلا وقد عمت الجلبة والضوضاء، حيث هاجم البدو القافلة وسمعنا أصوات طلقات الرصاص دون أن نرى من يطلقونها، وكانت خطة هؤلاء الأعراب تتمثل فى إيقاع القافلة فى كمين، حيث يطلقون نيران بنادقهم، فيختلط الحابل بالنابل فى القافلة، فإذا بأفراد الطرف الآخر من هؤلاء الأعراب يندفعون لمهاجمة القافلة وسلب ونهب كل ما تصل إليه أيديهم، وإذا حاول أحد أفراد القافلة التصدى لهم فإنهم يسارعون بطعنه بخناجرهم، ويخلفون وراءهم الجرحى أو القتلى، وقد جرحت امرأة تركية وقتل رجل، مما جعلنا نردد قول الشاعر سعدى (م691هـ): - "أيها الحادى، أين جمال الكعبة، وقد ألم بنا الموت عبر صحرائها" واقترب الخطر منا رويداً رويداً، فتوقفنا عن المسير، وترجل بعضنا، وقفز البعض الآخر خارج العربات، وتملكتنا الحيرة والدهشة، حيث كان معنا الحاج قاسم النامى الذى رافق الرحلة من مصر لحمايتها وحراستها، وكانت معه بندقية وبعض الأسلحة البيضاء، ولكن سرعان ما اختبأ وراء تل مرتفع يحتمى به مصداقاً للمثل القائل: "عند الامتحان يكرم المرء أو يهان"، ثم نادى أحد الرفاق على بقية زملائه قائلاً: هيا تعالوا خلف التل. عاد الهدوء مرة أخرى بعد ذلك، وطمأننا رئيس الحرس بأنه لم يعد هناك خطر وأخبرنا بأن الشريف قد أذن له بالدفاع عنا إذا تعرض الأتابك ومن معه لأى خطـر، ومع هذا فقد أصاب هؤلاء الأعراب أحد أفراد القافلة، كما أصبت أنا أحدهم، لذا فقد أدركوا أن الضرب مسموح به لهذه القافلة فلم يقتربوا منها بعد ذلك.

Podden och tillhörande omslagsbild på den här sidan tillhör محمد أحمد خليفة السويدي. Innehållet i podden är skapat av محمد أحمد خليفة السويدي och inte av, eller tillsammans med, Poddtoppen.