سفر إرميا النبي ✝️ – الإصحاح الثامن | عدد الآيات: 22

يبدأ الإصحاح بصورة مرعبة لإمعان الأعداء في إذلال يهوذا؛ حيث سيخرجون عظام الملوك والكهنة والأنبياء من قبورهم ويبسطونها أمام الشمس والقمر والكواكب التي عبدوها، لتتحول عظامهم إلى دمن (سماد) على وجه الأرض، وتتمنى البقية المتبقية "الموت ليتخلصوا من الحياة".

يطرح الله أسئلة تعكس دهشته من طبيعة الإنسان العجيبة في حب الخطية:

"هل يسقط أحد ولا يقوم؟ أو يرتد أحد ولا يرجع؟ فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتداداً دائماً؟ تمسكوا بالمكر، أبوا أن يرجعوا."

يقارن الرب بين ذكاء الطيور وغباء الشعب الروحي؛ فاللقلق واليمامة والسنونة والكركي في السماء "تعرف وقت مجيئها" وغريزتها تقودها للهجرة والعودة في الوقت المناسب، أما شعب الله "فلم يعرف قضاء الرب".

يفضح إرميا كذب الكتبة والقادة الذين يهدئون مخاوف الشعب بوعود كاذبة قائلين: "سلام، سلام! ولا سلام". لقد فقدوا حتى القدرة على الخجل من خطاياهم: "هل خزوا لأنهم عملوا رجساً؟ بل لم يخزوا خزياً، ولم يعرفوا الخجل!".

يتحول النص في الختام إلى مرثاة شخصية تنفطر لها القلوب؛ حيث يئن إرميا ويبكي على جرح شعبه الذي يراه قادماً لا محالة، مستمعاً إلى صراخهم المستقبلي وهم يدركون فوات الأوان:

"مضى الحصاد، انتهى الصيف، ونحن لم نخلص!"

ويطلق صرخته الطبية والروحية الشهيرة تساءلاً عن العلاج: "أليس بلسان في جلعاد، أم ليس هناك طبيب؟ فلماذا لم تعصب بنت شعبي؟".

✳️ التأمل:هذا الإصحاح يضعنا أمام مفهوم "الارتداد الدائم" والخطير؛ فالخطأ الإنساني الطبيعي يتبعه نهوض وتوبة، أما الكارثة فهي عندما تصبح الخطية اتجاهاً ثابتاً يرفض صاحبه الرجوع حتى لو رأى الهلاك بعينيه.

المقارنة مع الطيور المهاجرة مؤلمة للغاية؛ فالطبيعة غير العاقلة تطيع قوانين خالقها وتتحرك في أوقاتها الصحيحة غريزياً، بينما الإنسان العاقل يفسد بوصلته الروحية بإرادته ويفوت "مواسم التوبة والنعمة".

أما عبارة "مضى الحصاد.. ونحن لم نخلص" فهي من أخطر عبارات الكتاب؛ إذ تنبهنا إلى أن لفرص النجاة والإنقاذ "وقتاً محدداً" وصيفاً سينتهي حتماً، والذكاء الروحي يقتضي اقتناص اللحظة قبل فوات الأوان. وأخيراً، سؤال إرميا عن "بلسان جلعاد" (وهو مرهم طبي مشهور جداً في ذلك الوقت لاستخراج السموم وشفاء الجروح) يوضح أن العلاج الإلهي موجود دائماً، لكن الجرح يظل ينزف لأن المريض يرفض الذهاب إلى الطبيب الحقيقي والاستفادة من دوائه.

دموع إرميا تحولت إلى ينابيع في الإصحاح القادم.. هل ننتقل للإصحاح التاسع لنرى كيف يتمنى النبي "مأوى في البرية" ليتوارى عن شعبه الخائن؟

Podden och tillhörande omslagsbild på den här sidan tillhör اذاعة الحياة والامل. Innehållet i podden är skapat av اذاعة الحياة والامل och inte av, eller tillsammans med, Poddtoppen.